الشيخ حسين بن علي الكاشفي ( الواعظ الهروي )

152

رشحات عين الحياة في مناقب مشايخ الطريقة النقشبندية وآدابهم النبوية وأسرارهم الربانية

أن تتكلم بهذا . وكانت لي في هذا اليوم جبة مدورة الجيب فجعلت رأسي في جيبها ووضعت مسبحتي على أذني وحبست نفسي وقلت : أنا لا أسمع كلامك فانظر كيف تقدر على الكلام في المعارف ! فحصر في الحال وسد عليه مجاري الكلام ، وكلما اجتهد في التكلم لم يسير أصلا . فعلم أن هذا الحصر حصل من أين ، فنادى من رأس المنبر : أنه ما معنى سد طريق الكلام على فقير وجعل المستمعين محرومين ؟ فلم يجد بدا من أن ينزل عن المنبر ، فنزل واختفيت عنه فيما بين الناس فلم يرني . وقال حضرة شيخنا : كان درويش أحمد جسورا في الوعظ غاية الجسارة ، وكان يقول في وعظه : إن طائفة من الموالي يؤدون الصلاة بتمام العجلة بحيث لا يتحملون انتظار تسليم الإمام ويخرجون من المسجد بكمال الاضطراب ، ويلبسون أثواب الصوف ويذهبون إلى باب عليكة وفيروز شاه مثل الكلاب . ثم قال : أستغفر اللّه ، أستغفر اللّه ، أخطأت في تشبيههم بالكلاب ، ماذا أقول يوم القيامة إذا سألني اللّه سبحانه وتعالى أنه لم أطلقت اسم الكلاب التي لم يعصين لي قط في طول أعمارها على جماعة العصاة ! بل هم في الحقيقة ذباب في حوالي الكلاب ، فإن الكلاب أمثال عليكه وفيروز شاه وأمثالهما فإن فيهم القوة السبعية التي هي للكلاب وليست تلك القوة لهؤلاء الجماعة ، فلا يصح التشبيه لعدم العلاقة بل هم اجتمعوا اجتماع الذباب حول ما جمعته تلك الطائفة بقوتهم السبعية من الجيف والنجاسات . وقال حضرة شيخنا : قال درويش أحمد في مجلس وعظه يوما : أريد أن أترك الوعظ بعد حين ، فإن المداومة على الوعظ ينبغي لأحد النوعين من الناس : أحدهما : أن يكون متخلصا عن مكايد النفس الأمارة بالسوء بحيث لم يبق فيه أثر من آثار النفس ودواعيها بسبب شدة تمسكه بالشريعة الغراء وورعه وتقواه ، ولا يكون الباعث على وعظه الرعونة وحظ النفس وجلب النفع ، بل يكون مقصوده ومطمح نظره في وعظه محض الحقانية والشفقة على الخلق . وثانيهما : أن لا يكون له شغل بالخرة وبالحق تعالى ، ولا يكون له فكر تهيئة أسباب الخرة بل يكون متوجها إلى الخلق دائما ، ويكون مراده استيفاء الحظوظ العاجلة والرعونة وحظ النفس وأني لست من النوع الأول ، فإن بقايا آثار حفظ النفس كثيرة فيّ جدا وأنا معترف أن مقتضيات الطبيعة البشرية لم ترتفع عني بالكلية ،